محمد الريشهري
636
نهج الدعاء
فَوَجَّهَ في طَلَبِهِ ، فَلَم نَلبَث أن جاءَ قَومٌ يَركُضونَ وقَومٌ يَشتَدّونَ ، حَتّى قالوا : أيُّهَا الأَميرُ ، البِشارَةَ ! قَد اخِذَ حَرمَلَةُ بنُ كاهِلَةَ . فَما لَبِثنا أن جيءَ بِهِ ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيهِ المُختارُ ، قالَ لِحَرمَلَةَ : الحَمدُ للَّهِ الَّذي مَكَّنَني مِنكَ . ثُمَّ قالَ : الجَزّارَ الجَزّارَ ! فَاتِيَ بِجَزّارٍ ، فَقالَ لَهُ : اقطَع يَدَيهِ ، فَقُطِعَتا ، ثُمَّ قالَ لَهُ : اقطَع رِجلَيهِ ، فَقُطِعَتا ، ثُمَّ قالَ : النّارَ النّارَ ، فَاتِيَ بِنارٍ وقَصَبٍ فَالقِيَ عَلَيهِ وَاشتَعَلَت فيهِ النّارُ . فَقُلتُ : سُبحانَ اللَّهِ ! فَقالَ لي : يا مِنهالُ ، إنَّ التَّسبيحَ لَحَسَنٌ ، فَفيمَ سَبَّحتَ ؟ فَقُلتُ : أيُّهَا الأَميرُ ، دَخَلتُ في سَفرَتي هذِهِ مُنصَرَفي مِن مَكَّةَ عَلى عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ عليه السلام فَقالَ لي : يا مِنهالُ ، ما فَعَلَ حَرمَلَةُ بنُ كاهِلَةَ الأَسَدِيُّ ؟ فَقُلتُ : تَرَكتُهُ حَيّاً بِالكوفَةِ . فَرَفَعَ يَدَيهِ جَميعاً فَقالَ : اللَّهُمَّ أذِقهُ حَرَّ الحَديدِ ، اللَّهُمَّ أذِقهُ حَرَّ الحَديدِ ، اللَّهُمَّ أذِقهُ حَرَّ النّارِ ! فَقالَ لِيَ المُختارُ : أسَمِعتَ عَلِيَّ بنَ الحُسَينِ عليه السلام يَقولُ هذا ؟ ! فَقُلتُ : وَاللَّهِ لَقَد سَمِعتُهُ . قالَ : فَنَزَلَ عَن دابَّتِهِ ، وصَلّى رَكعَتَينِ فَأَطالَ السُّجودَ ، ثُمَّ قامَ فَرَكِبَ وقَدِ احتَرَقَ حَرمَلَةُ ورَكِبتُ مَعَهُ ، وسِرنا فَحاذَيتُ داري فَقُلتُ : أيُّهَا الأَميرُ ، إن رَأَيتَ أن تُشَرِّفَني وتُكرِمَني وتَنزِلَ عِندي ، وتَحَرَّمَ بِطَعامي . « 1 » فَقالَ : يا مِنهالُ ، تُعلِمُني أنَّ عَلِيَّ بنَ الحُسَينِ عليه السلام دَعا بِأَربَعِ دَعَواتٍ فَأَجابَهُ اللَّهُ عَلى يَدي ، ثُمَّ تَأمُرُني أن آكُلَ ! هذا يَومُ صَومٍ شُكراً للَّهِ عز وجل عَلى ما فَعَلتُهُ بِتَوفيقِهِ ، حَرمَلَةُ هُوَ الَّذي حَمَلَ رَأسَ الحُسَينِ عليه السلام . « 2 »
--> ( 1 ) . قال المجلسي قدس سره : الحُرمة ما لا يحلّ انتهاكه ، ومنه قولهم : تحرَّم بطعامه ، وذلك لأنّ العرب إذا أكل رجلٌ منهم من طعام غيره حصلت بينهما حرمة وذمّة ، يكون كلّ منهما آمناً من أذى صاحبه ( بحار الأنوار : ج 45 ص 333 ) . وانظر الصحاح : ج 5 ص 1895 . ( 2 ) . الأمالي للطوسي : ص 238 ح 423 ، كشف الغمّة : ج 2 ص 324 نحوه ، بحار الأنوار : ج 45 ص 332 ح 1 .